التصنيفات
الصف الثامن

إنما المؤمنون إخوة -تعليم الامارات

إنما المؤمنون إخوة
ثانياً: أسباب تقوية العلاقة بين المسلمين
إخوة الإسلام مقدمة على إخوة النسب

فأردت في هذه الليلة المباركة -بناء على دعوة كريمة من أخوة كرام- أن أتحدث في مفهوم الأخوة بين المسلمين فقط (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)( ) والموضوع طويل ومتشعب، ولم أتطرق إلى الموضوع في جميع الفقرات التي أشرت إليها في مقدمتي، وإنما سأتطرق إلى زاوية العلاقة بين المسلم والمسلم، وبين حق المسلم، وأبيِّن حق المسلم على المسلم، وحق المؤمن على المؤمن.
أقف مع هذه المعاني التي ضعفت في نفوس كثير منا، وبنيْنا العلاقة على غير هذه الأسس إلا من رحم الله. هذا هو موضوعنا أيها الأخوة.
وهنا أقول: إن الأخوة الإيمانية لها مكانة في الإسلام، وهي مقدمة على إخوة النسب (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)( ) أخوة الإيمان أقوى من أخوة النسب؛ فشقيقك إذا لم يكن على عقيدتك وعلى مبدئك فلا يجوز أن تواليه، بل يجب أن تعاديه كائنا من كان، بل يجب أن تتبرأ منه، أما المؤمن -إذا كان مؤمنا صادقا- فهو أقرب إليك من أخيك، ومن ابنك، ومن أبيك -إذا لم تتحقق فيهم هذه المعاني.
اسمعوا إلى هذا الأثر يبين هذه القضية: من مصعب بن عمير  مصعب بن عمير، هذا الشاب الذي تخلى عن الدنيا ورغباتها ومقوماتها، وجاهد في الله حق جهاده، في يوم بدر كان يسير بعد انتهاء المعركة -و له أخ اسمه أبو عمير- هذا الأخ كان كافرا وجاء مع الكفار من قريش، فأسره أحد الصحابة، في أثناء أسره مرّ مصعب بن عمير -شقيقه- ففرح أبوعمير، وقال: جاء أخي ليتوسط لي، جاء أخي ليطلق سراحي، فماذا قال مصعب؟ ماذا قال للصحابي الجليل؟ هل قال له: أطلقه فإنه أخي! أطلقه فإنه شقيقى؟ لا.
قال له: شدّ وثاقه؛ فإن أمه غنية. اربطه حتى نفديه بعد فترة؛ لأن أمه غنية. أمه مَن؟ هى أم مصعب  فغضب أبو عمير، وقال: أهذه وصيتك لأخيك؟ هذا ما كنت أرجوه منك؟ انظروا إلى هؤلاء الذين تمكن الإيمان من قلوبهم – قال له مصعب: إنه أخي دونك، إن هذا الصحابي الذي يأسرك هو أخي دونك، أما أنت فلست أخي، لماذا؟ لأنه غير مؤمن. هذه هي مكانة الإخوة الإيمانية.
مفهوم الحب والبغض

النقطة الثانية في هذه القضية: مفهوم الحب والبغض:
الحب في الله، والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان -أيها الإخوة-، الحب في الله والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان؛ ولهذا راجعوا أنفسكم -أحبتي الكرام- هل نحن نوالي ونعادي، ونحب ونبغض ضمن الميزان الشرعي؟ أو أننا نحب ونقدم المحبة في الدنيا على المحبة في الله- جل وعلا؟
إذا أحسن إلينا إنسان في مصلحة من مصالح الدنيا أقبلنا إليه وأحببناه، وقدّمنا محبته على إخوتنا في عقيدتنا وفي ديننا. هذا واقع كثير من الناس، وهذا -كما قلت لكم- خلل في المعتقد أيها الأحباب.

حسن الخلق

النقطة الثانية -مما أنبه إليه في هذا المقام- حسن الخلق:
كثير من المسلمين ساءت أخلاقهم، ومع كل أسف إنني نُقل لي عن بعض الناس أنه يفسر سوء الخلق الذي وقع فيه كثير من الناس فيقول: هذه ضريبة الحضارة، لا نريد حضارة تؤدي بنا إلى سوء الخلق.
الله -جل وعلا- يقول لرسوله- صلى الله عليه وسلم-: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ)( ) ويقول -جل وعلا-:
(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)( ) يقول الرسول  " إن العبد ليبلغ بحسن الخلق منزلة الصائم القائم " ( ) حسن الخلق -فقط- يبلغ فيه منزلة الصائم القائم؛ ولذلك أصبح الذين حسنت أخلاقهم يعدون على الأصابع في كثير من المجتمعات.
النقطة الثالثة في هذا الموضوع -أيها الأحبة-: هي وقفة تتعلق بحسن الخلق، وبالمعاملة؛ لأن الرسول  يقول: " إن من خياركم أحسنكم أخلاقا " ( ) ويقول: " البر حسن الخلق " ( ) وعائشة لما سُئلت عن رسول الله  " كيف كان خُلقه " ( ) ماذا قالت؟ قالت:
" كان خلقه القرآن " ( ) . ما أحوجنا إلى من خلقهم القرآن.
التبسم في وجه أخيك المسلم

أقف مع قضايا يسيرة ولكنها مهمة جدا، تقوي الوشائج، وتشد الروابط، وتوثق العلاقة بين المؤمنين، وهي لا تكلفنا شيئا أيها الأخوة.
المسألة الأولى، التبسم: وهذه القضايا التي سأشير إليها هي قضايا نفسية، ولكنها مهمة للغاية، وأغفلها كثير من المسلمين.
أولا: التبسم.
يقول الرسول  " وتبسمك في وجه أخيك صدقة " والرسول  كان كثير التبسم في وجه أصحابه، التبسم -يا أحبتي- هل يكلفنا شيئا؟ إنه أثقل على بعض المسلمين من جبل أحد، الابتسامة اليسيرة يتبسمها في وجه إخوانه ثقيلة جدا، كبيرة جدا إلا على من وفقه الله -جل وعلا.
إذا سلمت على أخيك وتبسمت له، إذا لقيته وتبسمت له، تنشرح أسارير صدره، وهذا نراه في نفوسنا.
فرق بين أن يسلم عليّ من يسلم، ويسلم عليك من يسلم وهو مقطب الجبين، أو يسلم وكأنه لا يعنيه من الأمر شيئا، أو أن يتبسم في وجهك.
كم نقبل على بعض الناس وفي نفوسنا ما فيها، فإذا تبسموا في وجوهنا زال ما فيها؟ " وتبسمك في وجه أخيك صدقة ".
الهدية
ثانيا: الهدية الهدية -أيها الأحباب- الهدية تسل السخيمة من النفوس، وقد ضعفت الهدية الآن بين المسلمين، وضعفت بين الأقارب، وضعفت بين طلاب العلم إلا في جوانب لم تطبق على مفهومها الصحيح.
أحيانا نجد الهدية أصبحت بين النساء؛ من أجل المباهاة، ومن أجل التفاخر، ومن أجل إثقال كاهل الزوج -لا- الهدية مهما كانت يسيرة؛ فإن لها قيمة عظيمة في نفوس أصحابها.
ولذلك رسول الله  كان يرفض الصدقة، لا يقبل الصدقة- صلى الله عليه وسلم-، ولكنه كان يقبل الهدية.
كان في حجة الوداع  فجاء أحد الصحابة، وقد صاد صيدا للرسول  فأهداه له، فلم يقبله رسول الله  فوجد رسول الله التأثر في وجه الصحابي، فهل سكت رسول الله؟ قال له: إننا لم نقبله منك إلا لأننا حُرم -أي محرمين- فاطمأنت نفس هذا الصحابي؛ لأن الصيد إذا صيد من أجل المحرم لا يأكله المحرم، فهو من محظورات الإحرام.
فأقول: إن الهدية مهما كانت يسيرة لها قيمة عظمى، والعجيب.. خذوا مثالا على واقع الهدية: لو جئت في مجمع عام، في مناسبة مثل هذه المناسبات، واستدعيت رجلا من الحضور وقلتَ له: خذ هذه عشرة آلاف ريال هدية مني إليك، قد يغضب غضبا شديدا؛ كيف تعطيه مبلغا من المال أمام الناس؟! وقد لا يقبله حتى من دون أن يكون أمام الناس، ويعتبر هذا إهانة، ولكن لو تدعوه وتعطيه هدية -قد لا تزيد عن خمسين ريالا- يتقبلها ويفرح بها، ويرد عليك بأحسن منها.
إذن، الهدية من الوسائل التي تقوى العلاقات بيننا.

إفشاء السلام

المسألة الثالثة: مما يعالج النفس، ويزيل السخيمة وأمراض القلوب، ويقوي الأخوة-: هو إفشاء السلام " أفشوا السلام بينكم " ( ).
خذوا مثالا -يا إخوان- عمليا: لو كنت واقفا أو جالسا مع بعض أصحابك، ومر رجل ولم يسلم عليكم، كم تجدون في نفوسكم عليه؟ ولو مر آخر -وفي نفوس بعضنا عليه شيء- ثم سلم علينا لأزال ما في نفوسنا، وانتزع هذا الغل من نفوسنا. " أفشوا السلام بينكم " ( ).
قضية يسيرة سهلة ميسرة، تؤدي إلى معنى عظيم في معنى الأخوة وحقيقة الأخوة.
التناجي
وأخيرا: نجد أن من القضايا النفسية قضية التناجي: يقول الرسول  " لا يتناجى اثنان وبينهما ثالث إلا بإذنه " ( ) أو كما قال -صلى الله عليه وسلم.
إذا كانوا ثلاثة لا يجوز أن يسرّ أحدهما إلى الآخر دون الثالث، لماذا؟ لأنه أول ما يتبادر إلى ذهنه أنهم يتحدثون عنه؛ لأنه يقول: لو لم يتحدثا عني لأفصحا بالكلام، فلذلك السنة أن يُستأذن، ويقول: بيننا كلام هل تأذن لنا؟ أو يُنتظر حتى يذهب أو يكثر من في المجلس.
هذه وشائج يسيرة ولكنها مهمة، أحببت أن نقف عندها.

لقراءة ردود و اجابات الأعضاء على هذا الموضوع اضغط هناسبحان الله و بحمده

التصنيفات
الصف الثامن

تقرير أخلاق المؤمنون للصف الثامن

السلام عليكم ……
شحاالكم عساكم الا بخير؟؟؟؟!!!

اليوم يبت لكم تقرير عن درس اخلااااااق المؤمن اتمنى انه يعيبكم!!!
لا تقصروون بالردووووووود…

الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستغفره ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له وليّاً مرشدا، والصلاة والسلام على من بعث رحمةً للعالمين حبيبنا وإمامنا وقدوتنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.
أما بعد سوف أتحدث في هذا التقرير عن موضوع مهم جدا في حياتنا وفي ديننا فهذا الموضوع يجعل من الإنسان نبيل الخلق جميل التصرف حسن السلوك فهذا هو ديننا دين رحمه وتقدير للعبد وتكريمه بين العباد،وأتمنى أن ينال هذا التقرير إعجاب معلمتي الفاضلة.

لماذا اخترتي هذا الموضوع؟
*شت انتباهي .
*ولان الخلاق هي شامله في كل شي.

المشاكل التي واجهتني :-
الحمد لله لم تواجهني أية مشكلة في هذا التقرير والله ولي التوفيق.

سوف أتحدث في هذا التقرير أولا عن تعريف الأخلاق وما هيه الأخلاق، الأخلاق هيه جمع خلق ، والخلق هو صفة راسخة في النفس تدعوها إلى فعل الخير أو فعل الشر كالشجاعة والجبن والظلم والعدل والكرم والبخل وغيرها من الصفات، وبهذه الصفة يمتاز الإنسان عن سائر المخلوقات إذ أن ما سوى الإنسان لا يدرك قيمة هذه الصفة ولا يهتم بها بل لم يؤهله الله تعالى للتحلي بها، من هنا صح القول أن الأخلاق قيمة إنسانية.
الأخلاق هدف الأنبياء ، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم "عليكم بمكارم الأخلاق، فإن الله عزَّ وجلّ بعثني بها".
وقال أيضا عليه السلام: "إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق".
وهذا يدل على أن الأخلاق الكريمة هي الهدف الأسمى لبعث الأنبياء عامه، وقد جاء السابقون منهم ببعض هذه الأخلاق وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتمم ما نقص منها ويبيّن ما لم يبيّنه من سبقه من الأنبياء.

وإذا كانت مكارم الأخلاق هدف الأنبياء فمعنى ذلك أن تكامل الإنسان هو الهدف الأسمى من خلقه لا يكون إلاَّ بواسطة التحلّي بهذه الأخلاق، ولهذا بعثهم الله تعالى ليبيّنوها للناس وليطبقوها أمامهم ليكونوا مُثُلاً عليا ونماذج حيَّة يقتدى بها، وقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلى رتبة من رتبة التكامل الإنساني بأخلاقه السامية حتى استحقَ مدح الله تعالى بقوله: "وإنَّك لعلى خلق عظيم".
ويجب على كل شخص في هذه البشرية أن يهذب نفسه لأنه أفضل علاج لدفع المفاسد الأخلاقية، وتهذيب النفس عملية صعبة في حد ذاتها لأنها تتطلب بذل جهد كبير لمخالفة الرغبات والشهوات وقسرها على تحمل المشقَّات والتضحيات، وهو خلاف ما تميل إليه النفس البشرية بطبعها، فكان السالك العامل على ترويض نفسه أشبه شي‏ء بمن يجدف مركبه بعكس التيار، ولهذا كان بذل هذا الجهد جهاداً، بل هو جهاد أكبر كما عبَّر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما خاطب جماعة من أصحابه كانوا في سريَّة وعادوا منتصرين: مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر.
فقيل له: يا رسول الله، وما الجهاد الأكبر؟ فقال: جهاد النفس.

التوجيهات:
*على كل مؤمن ان يلتزم بالاخلاقه لكي يوفقه الله تعالى في دنياه.

التنائج:
*استنتج ان الاخلاق الحسنه هي مفتاح الجنة.
*ان الحهاد الاكبر هو جهاد النفس.
*واستنتج ان الأخلاق هدف الأنبياء ، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم "عليكم بمكارم الأخلاق، فإن الله عزَّ وجلّ بعثني بها".

وأخيرا أود أن أقول إن الإنسان في الدنيا كمسافر يقصد الوصول إلى مقصد معين، والإنسان الصالح والعاقل هو من يبحث عن أسمى الأهداف والمقاصد والتي هي في نظر الإسلام سعادة الآخرة والفوز برضوان الله وجناته الواسعة.
فما علينا إلاَّ السعي وراء هذا الهدف المقدّس والابتعاد عن كل ما يسبب لنا الانحطاط إلى أسفل درك من الحضيض والذي ينتج عن والانحراف والتفسخ الخلقي الذي يصيب مجتمعاتنا في هذا العصر، وبالخصوص جيل الشباب.
أخيرا أتمنى ينال هذا التقرير إعجابكم وأقول أنه مهما بلغ الإنسان لابد من وجود نقصان.

المراجع:-

كتاب: الخلاق في الاسلام.
– الطبعةالخامسة: 2022م-1437هـ
– دار المناهج وللنشر والتوزيع.
– عمان –الاردن –شارع الملك حسين
– بناية الشركة المتحدة للتأمين:هاتف 4650624
– فاكس4650624 (009626)
– ص.ب-215308 عمان 11122 الاردن.
النت:http:\majdah.maktoob.comvbmajdah21109

الفهرس:-

المقدمة …………………………. 2

الموضوع ………………………… 3-4

الخاتمة …………………………. 5

المراجع ………………………….6

الفهرس ………………………..

لقراءة ردود و اجابات الأعضاء على هذا الموضوع اضغط هناسبحان الله و بحمده

التصنيفات
الصف الثاني عشر

شرح الآيات من سورة المؤمنون في الدرس الاول للصف الثاني عشر

الله يخليكم بغيت الشرح اليوم ضرووووووووووووري
"شرح الآيات من سورة المؤمنون "

لقراءة ردود و اجابات الأعضاء على هذا الموضوع اضغط هناسبحان الله و بحمده

التصنيفات
الارشيف الدراسي

تفسير سورة المؤمنون عدد آياتها 118 ( آية 1-30 ) -تعليم الامارات

{ 1 – 11 } { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }

هذا تنويه من الله، بذكر عباده المؤمنين، وذكر فلاحهم وسعادتهم، وبأي: شيء وصلوا إلى ذلك، وفي ضمن ذلك، الحث على الاتصاف بصفاتهم، والترغيب فيها. فليزن العبد نفسه وغيره على هذه الآيات، يعرف بذلك ما معه وما مع غيره من الإيمان، زيادة ونقصا، كثرة وقلة، فقوله { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ } أي: قد فازوا وسعدوا ونجحوا، وأدركوا كل ما يرام المؤمنون الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين الذين من صفاتهم الكاملة أنهم { فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ }

والخشوع في الصلاة: هو حضور القلب بين يدي الله تعالى، مستحضرا لقربه، فيسكن لذلك قلبه، وتطمئن نفسه، وتسكن حركاته، ويقل التفاته، متأدبا بين يدي ربه، مستحضرا جميع ما يقوله ويفعله في صلاته، من أول صلاته إلى آخرها، فتنتفي بذلك الوساوس والأفكار الردية، وهذا روح الصلاة، والمقصود منها، وهو الذي يكتب للعبد، فالصلاة التي لا خشوع فيها ولا حضور قلب، وإن كانت مجزئة مثابا عليها، فإن الثواب على حسب ما يعقل القلب منها.

{ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ } وهو الكلام الذي لا خير فيه ولا فائدة، { مُعْرِضُونَ } رغبة عنه، وتنزيها لأنفسهم، وترفعا عنه، وإذا مروا باللغو مروا كراما، وإذا كانوا معرضين عن اللغو، فإعراضهم عن المحرم من باب أولى وأحرى، وإذا ملك العبد لسانه وخزنه -إلا في الخير- كان مالكا لأمره، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين وصاه بوصايا قال: " ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ " قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسان نفسه وقال: " كف عليك هذا " فالمؤمنون من صفاتهم الحميدة، كف ألسنتهم عن اللغو والمحرمات.

{ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ } أي مؤدون لزكاة أموالهم، على اختلاف أجناس الأموال، مزكين لأنفسهم من أدناس الأخلاق ومساوئ الأعمال التي تزكو النفس بتركها وتجنبها، فأحسنوا في عبادة الخالق، في الخشوع في الصلاة، وأحسنوا إلى خلقه بأداء الزكاة.

{ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ } عن الزنا، ومن تمام حفظها تجنب ما يدعو إلى ذلك، كالنظر واللمس ونحوهما. فحفظوا فروجهم من كل أحد { إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ } من الإماء المملوكات { فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } بقربهما، لأن الله تعالى أحلهما.

{ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ } غير الزوجة والسرية { فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ } الذين تعدوا ما أحل الله إلى ما حرمه، المتجرئون على محارم الله. وعموم هذه الآية، يدل على تحريم نكاح المتعة، فإنها ليست زوجة حقيقة مقصودا بقاؤها، ولا مملوكة، وتحريم نكاح المحلل لذلك.

ويدل قوله { أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ } أنه يشترط في حل المملوكة أن تكون كلها في ملكه، فلو كان له بعضها لم تحل، لأنها ليست مما ملكت يمينه، بل هي ملك له ولغيره، فكما أنه لا يجوز أن يشترك في المرأة الحرة زوجان، فلا يجوز أن يشترك في الأمة المملوكة سيدان.

{ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ } أي: مراعون لها، ضابطون، حافظون، حريصون على القيام بها وتنفيذها، وهذا عام في جميع الأمانات التي هي حق لله، والتي هي حق للعباد، قال تعالى: { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ } فجميع ما أوجبه الله على عبده أمانة، على العبد حفظها بالقيام التام بها، وكذلك يدخل في ذلك أمانات الآدميين، كأمانات الأموال والأسرار ونحوهما، فعلى العبد مراعاة الأمرين، وأداء الأمانتين { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا }

وكذلك العهد، يشمل العهد الذي بينهم وبين ربهم والذي بينهم وبين العباد، وهي الالتزامات والعقود، التي يعقدها العبد، فعليه مراعاتها والوفاء بها، ويحرم عليه التفريط فيها وإهمالها ، { وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ } أي: يداومون عليها في أوقاتها وحدودها وأشراطها وأركانها، فمدحهم بالخشوع بالصلاة، وبالمحافظة عليها، لأنه لا يتم أمرهم إلا بالأمرين، فمن يداوم على الصلاة من غير خشوع، أو على الخشوع من دون محافظة عليها، فإنه مذموم ناقص.

{ أُولَئِكَ } الموصوفون بتلك الصفات { هم الْوَارِثُونَ* الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ } الذي هو أعلى الجنة ووسطها وأفضلها، لأنهم حلوا من صفات الخير أعلاها وذروتها، أو المراد بذلك جميع الجنة، ليدخل بذلك عموم المؤمنين، على درجاتهم و مراتبهم كل بحسب حاله، { هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } لا يظعنون عنها، ولا يبغون عنها حولا لاشتمالها على أكمل النعيم وأفضله وأتمه، من غير مكدر ولا منغص.

{ 12 – 16 } { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ }

ذكر الله في هذه الآيات أطوار الآدمي وتنقلاته، من ابتداء خلقه إلى آخر ما يصير إليه، فذكر ابتداء خلق أبي النوع البشري آدم عليه السلام، وأنه { مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ } أي: قد سلت، وأخذت من جميع الأرض، ولذلك جاء بنوه على قدر الأرض، منهم الطيب والخبيث، وبين ذلك، والسهل والحزن، وبين ذلك.

{ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ } أي: جنس الآدميين { نُطْفَةً } تخرج من بين الصلب والترائب، فتستقر { فِي قَرَارٍ مَكِينٍ } وهو الرحم، محفوظة من الفساد والريح وغير ذلك.

{ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ } التي قد استقرت قبل { عَلَقَةً } أي: دما أحمر، بعد مضي أربعين يوما من النطفة، { فخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ } بعد أربعين يوما { مُضْغَةً } أي: قطعة لحم صغيرة، بقدر ما يمضغ من صغرها.

{ فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ } اللينة { عِظَامًا } صلبة، قد تخللت اللحم، بحسب حاجة البدن إليها، { فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا } أي: جعلنا اللحم، كسوة للعظام، كما جعلنا العظام، عمادا للحم، وذلك في الأربعين الثالثة، { ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ } نفخ فيه الروح، فانتقل من كونه جمادا، إلى أن صار حيوانا، { فَتَبَارَكَ اللَّهُ } أي: تعالى وتعاظم وكثر خيره { أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ } { الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون } فخلقه كله حسن، والإنسان من أحسن مخلوقاته، بل هو أحسنها على الإطلاق، كما قال تعالى: { لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } ولهذا كان خواصه أفضل المخلوقات وأكملها.

{ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ } الخلق، ونفخ الروح { لَمَيِّتُونَ } في أحد أطواركم وتنقلاتكم { ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ } فتجازون بأعمالكم، حسنها وسيئها. قال تعالى: { أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى* أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى* ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى* فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى* أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى }

{ 17 – 20 } { وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ * وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ * فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ }

لما ذكر تعالى خلق الآدمي، ذكر سكنه، وتوفر النعم عليه من كل وجه فقال: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ } سقفا للبلاد، ومصلحة للعباد { سَبْعَ طَرَائِقَ } أي: سبع سماوات طباقا، كل طبقة فوق الأخرى، قد زينت بالنجوم والشمس والقمر، وأودع فيها من مصالح الخلق ما أودع، { وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ } فكما أن خلقنا عام لكل مخلوق، فعلمنا أيضا محيط بما خلقنا، فلا نغفل مخلوقا ولا ننساه، ولا نخلق خلقا فنضيعه, ولا نغفل عن السماء فتقع على الأرض، ولا ننسى ذرة في لجج البحار وجوانب الفلوات، ولا دابة إلا سقنا إليها رزقها { وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا } وكثيرا ما يقرن تعالى بين خلقه وعلمه كقوله: { أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } { بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ } لأن خلق المخلوقات، من أقوى الأدلة العقلية، على علم خالقها وحكمته.

{ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً } يكون رزقا لكم ولأنعامكم بقدر ما يكفيكم، فلا ينقصه، بحيث لا يكفي الأرض والأشجار، فلا يحصل منه المقصود، ولا يزيده زيادة لا تحتمل، بحيث يتلف المساكن، ولا تعيش معه النباتات والأشجار، بل أنزله وقت الحاجة لنزوله ثم صرفه عند التضرر من دوامه، { فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ } أي: أنزلناه عليها، فسكن واستقر، وأخرج بقدرة منزله، جميع الأزواج النباتية، وأسكنه أيضا معدا في خزائن الأرض، بحيث لم يذهب نازلا، حتى لا يوصل إليه، ولا يبلغ قعره، { وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ } إما بأن لا ننزله، أو ننزله، فيذهب نازلا لا يوصل إليه، أو لا يوجد منه المقصود منه، وهذا تنبيه منه لعباده أن يشكروه على نعمته، ويقدروا عدمها، ماذا يحصل به من الضرر، كقوله تعالى: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ }

{ فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ } أي: بذلك الماء { جَنَّاتٍ } أي: بساتين { مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ } خص تعالى هذين النوعين، مع أنه ينشئ منه غيرهما من الأشجار، لفضلهما ومنافعهما، التي فاقت بها الأشجار، ولهذا ذكر العام في قوله: { لَكُمُ فيها } أي: في تلك الجنات { فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } من تين، وأترج، ورمان، وتفاح وغيرها ، { وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ } وهي شجرة الزيتون، أي: جنسها، خصت بالذكر، لأن مكانها خاص في أرض الشام، ولمنافعها، التي ذكر بعضها في قوله: { تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ } أي: فيها الزيت، الذي هو دهن، يستعمل استعماله من الاستصباح به، واصطباغ الآكلين، أي: يجعل إداما للآكلين، وغير ذلك من المنافع.

{ 21 – 22 } { وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ }

أي: ومن نعمه عليكم، أن سخر لكم الأنعام، الإبل والبقر، والغنم، فيها عبرة للمعتبرين، ومنافع للمنتفعين { نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا } من لبن، يخرج من بين فرث ودم، خالص سائغ للشاربين، { وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ } من أصوافها، وأوبارها، وأشعارها، وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم { وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } أفضل المآكل من لحم وشحم.

{ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ } أي: جعلها سفنا لكم في البر، تحملون عليها أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، كما جعل لكم السفن في البحر تحملكم، وتحمل متاعكم، قليلا [كان] أو كثيرا، فالذي أنعم بهذه النعم، وصنف أنواع الإحسان، وأدر علينا من خيره المدرار، هو الذي يستحق كمال الشكر، وكمال الثناء، والاجتهاد في عبوديته، وأن لا يستعان بنعمه على معاصيه.

{ 23 – 30 } { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ } إلى آخرالقصة

وهي قوله { إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين } يذكر تعالى رسالة عبده ورسوله نوح عليه السلام، أول رسول أرسله لأهل الأرض، فأرسله إلى قومه، وهم يعبدون الأصنام، فأمرهم بعبادة الله وحده، فقال: { يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ } أي: أخلصوا له العبادة، لأن العبادة لا تصح إلا بإخلاصها. { مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } فيه إبطال ألوهية غير الله، وإثبات الإلهية لله تعالى، لأنه الخالق الرازق، الذي له الكمال كله، وغيره بخلاف ذلك. { أَفَلَا تَتَّقُونَ } ما أنتم عليه من عبادة الأوثان والأصنام، التي صورت على صور قوم صالحين، فعبدوها مع الله، فاستمر على ذلك، يدعوهم سرا وجهارا، وليلا ونهارا، ألف سنة إلا خمسين عاما، وهم لا يزدادون إلا عتوا ونفورا.

{ فَقَالَ الْمَلَأُ } من قومه الأشراف والسادة المتبوعون -على وجه المعارضة لنبيهم نوح، والتحذير من اتباعه -: { مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ } أي: ما هذا إلا بشر مثلكم، قصده حين ادعى النبوة أن يزيد عليكم فضيلة، ليكون متبوعا، وإلا فما الذي يفضله عليكم، وهو من جنسكم؟ وهذه المعارضة لا زالت موجودة في مكذبي الرسل، وقد أجاب الله عنها بجواب شاف، على ألسنة رسله كما في قوله: { قالوا } أي: لرسلهم { إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ* قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ } فأخبروا أن هذا فضل الله ومنته، فليس لكم أن تحجروا على الله، وتمنعوه من إيصال فضله علينا.

وقالوا هنا: { ولو شاء الله لأنزل ملائكة } وهذه أيضا معارضة بالمشيئة باطلة، فإنه وإن كان لو شاء لأنزل ملائكة، فإنه حكيم رحيم، حكمته ورحمته تقتضي أن يكون الرسول من جنس الآدميين، لأن الملك لا قدرة لهم على مخاطبته، ولا يمكن أن يكون إلا بصورة رجل، ثم يعود اللبس عليهم كما كان.

وقولهم: { مَا سَمِعْنَا بِهَذَا } أي بإرسال الرسول { فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ } وأي حجة في عدم سماعهم إرسال رسول في آبائهم الأولين؟ لأنهم لم يحيطوا علما بما تقدم، فلا يجعلوا جهلهم حجة لهم، وعلى تقدير أنه لم يرسل فيهم رسولا، فإما أن يكونوا على الهدى، فلا حاجة لإرسال الرسول إذ ذاك، وإما أن يكونوا على غيره، فليحمدوا ربهم ويشكروه أن خصهم بنعمة لم تأت آباءهم، ولا شعروا بها، ولا يجعلوا عدم الإحسان على غيرهم سببا لكفرهم للإحسان إليهم.

{ إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ } أي: مجنون { فَتَرَبَّصُوا بِهِ } أي: انتظروا به { حَتَّى حِينٍ } إلى أن يأتيه الموت.

وهذه الشبه التي أوردوها معارضة لنبوة نبيهم، دالة على شدة كفرهم وعنادهم، وعلى أنهم في غاية الجهل والضلال، فإنها لا تصلح للمعارضة بوجه من الوجوه، كما ذكرنا، بل هي في نفسها متناقضة متعارضة. فقوله: { مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ } أثبتوا أن له عقلا يكيدهم به، ليعلوهم ويسودهم، ويحتاج -مع هذا- أن يحذر منه لئلا يغتر به، فكيف يلتئم مع قولهم: { إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ } وهل هذا إلا من مشبه ضال، منقلب عليه الأمر، قصده الدفع بأي: طريق اتفق له، غير عالم بما يقول؟".

ويأبى الله إلا أن يظهر خزي من عاداه وعادى رسله.

فلما رأى نوح أنه لا يفيدهم دعاؤه إلا فرارا { قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ } فاستنصر ربه عليهم، غضبا لله، حيث ضيعوا أمره، وكذبوا رسوله وقال: { رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا* إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا } قال تعالى: { وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ }

{ فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ } عند استجابتنا له، سببا ووسيلة للنجاة، قبل وقوع أسبابه، { أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ } أي: السفينة { بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا } أي: بأمرنا لك ومعونتنا، وأنت في حفظنا وكلاءتنا بحيث نراك ونسمعك.

{ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا } بإرسال الطوفان الذي عذبوا به { وَفَارَ التَّنُّورُ } أي: فارت الأرض، وتفجرت عيونا، حتى محل النار، الذي لم تجر العادة إلا ببعده عن الماء، { فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ } أي: أدخل في الفلك من كل جنس من الحيوانات، ذكرا وأنثى، تبقى مادة النسل لسائر الحيوانات، التي اقتضت الحكمة الربانية إيجادها في الأرض، { وَأَهْلَكَ } أي: أدخلهم { إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ } كابنه، { وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا } أي: لا تدعني أن أنجيهم، فإن القضاء والقدر، قد حتم أنهم مغرقون.

{ فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ } أي: علوتم عليها، واستقلت بكم في تيار الأمواج، ولجج اليم، فاحمدوا الله على النجاة والسلامة. فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين، وهذا تعليم منه له ولمن معه، أن يقولوا هذا شكرا له وحمدا على نجاتهم من القوم الظالمين في عملهم وعذابهم.

{ وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ } أي: وبقيت عليكم نعمة أخرى، فادعوا الله فيها، وهي أن ييسر الله لكم منزلا مباركا، فاستجاب الله دعاءه، قال الله: { وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } إلى أن قال: { قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ } الآية.

{ إِنَّ فِي ذَلِكَ } أي: في هذه القصة { لَآيَاتٍ } تدل على أن الله وحده المعبود، وعلى أن رسوله نوحا صادق، وأن قومه كاذبون، وعلى رحمة الله بعباده، حيث حملهم في صلب أبيهم نوح، في الفلك لما غرق أهل الأرض.

والفلك أيضا من آيات الله، قال تعالى: { وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ } ولهذا جمعها هنا لأنها تدل على عدة آيات ومطالب. { وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ }.

لقراءة ردود و اجابات الأعضاء على هذا الموضوع اضغط هناسبحان الله و بحمده